تناولت وزارة
الأوقاف عبر منصتها الإلكترونية مسألة الانتحار وأكدت أنها من أعظم الذنوب وأشدها
خطورة في الشريعة الإسلامية، مشددة على أن القرآن الكريم والسنة النبوية جاءا
بتحريمها تحريماً قاطعاً لا لبس فيه.
وأوضحت الوزارة في تقريرها المفصل أن الانتحار يُعد في ميزان الشرع
من كبائر الإثم التي تهدم حرمة النفس التي كرمها الله تعالى، واصفة إياه بأنه فعل
يتنافى كلياً مع قيم الصبر والرضا والتوكل على الله التي يجب أن يتحلى بها المؤمن
في واجهة تقلبات الحياة ومصاعبها.
النفس الإنسانية أسمى من حرمة الكعبة
استهلت الوزارة
تقريرها بتوجيه رسالة طمأنة وتقدير لكل إنسان يمر بضائقة، مؤكدة أن "نفس
المؤمن" عند الله عز وجل غالية جداً، بل إن حرمتها تفوق حرمة الكعبة المشرفة.
واستندت الوزارة إلى ما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، حين
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويخاطبها قائلاً: "ما أطيبك
وما أطيب ريحك! ما أعظمك وما أعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند
الله أعظم من حرمتك؛ ماله ودمه".
وأوضحت الأوقاف
أن هذا التكريم الإلهي للإنسان يفرض عليه حماية نفسه وعدم التفريط فيها مهما بلغت
التحديات، فالإنسان محل تكريم الله الذي منحه العقل والحرية وسخر له الكون.
قتل النفس جريمة
نكراء ووعيد شديد
وشددت وزارة
الأوقاف على أن إزهاق الروح التي استودعها الله في جسد الإنسان هو اعتداء صارخ على
ملكية الخالق، مستشهدة بقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}.
كما لفتت إلى
الوعيد الشديد الوارد في السنة النبوية المطهرة لمن يقدم على هذه الجريمة، حيث
أوردت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده،
يتوجأ بها في بطنه، في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً"، مؤكدة أن هذا
التحذير جاء بصيغة التغليظ والتشديد لزجر النفوس عن التفكير في إنهاء حياتها تحت
وطأة اليأس.
ورغم بشاعة
الفعل، أوضحت الوزارة منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع المنتحر، حيث أجمعوا
على أنه "مؤمن عاصٍ" ارتكب ذنباً عظيماً، لكنه لا يخرج من الملة.
وأكدت الوزارة أن العلماء اتفقوا على إجازة الصلاة على من قتل نفسه،
وتغسيله وتكفينه ودفنه في مقابر المسلمين، مع الدعاء له بالرحمة والمغفرة، تاركين
أمره لخالقه الذي هو أرحم بالعباد من أنفسهم، خاصة وأن بعض الحالات قد تقع في لحظة
غياب وعي أو يأس أسقط معه الإدراك.
مواجهة مصاعب
الحياة بالصبر واليقين
وجهت الوزارة
رسالة تربوية للأجيال الشابة، داعية إياهم إلى استبدال اليأس باليقين، والجزع
بالصبر.
وأكدت أن المؤمن
الحقيقي لا تزعزعه الأحداث، بل يواجه الشدائد بعزيمة ثابتة، مدركاً أن "مع
العسر يسراً" وأن الضيق يعقبه الفرج لا محالة.
وأوضحت الأوقاف أن معظم الدوافع التي تقود للانتحار—سواء كانت ضيق
معيشة، أو إخفاقاً دراسياً، أو فقدان حبيب—لها حلول عند العقلاء إذا ما فكر
الإنسان بروية واستعان بالله واستشار أولي الألباب.
وأشارت الوزارة
إلى أن الهروب من مشاكل الدنيا بالانتحار هو وهم كبير، فالمنتحر لا ينجو من العذاب
بل يعرض نفسه لسؤال طويل وألم شديد بما قتل به نفسه، فلا هو حافظ على حياته في
الدنيا، ولا هو أخلى مسؤوليته في الآخرة. لذا، فإن البديل الشرعي عند اشتداد
البلاء هو الدعاء النبوي: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا
كانت الوفاة خيراً لي"، وهو ما يمثل قمة التسليم لحكمة الله.
دور المجتمع
والأسرة في الحماية
وفي ختام
تقريرها، دعت وزارة الأوقاف إلى تفعيل قيم التكافل والتراحم داخل المجتمع، مؤكدة
أن "الاحتواء الأسري" هو خط الدفاع الأول ضد الانتحار. فكلمة طيبة، أو
نظرة رفق، أو دعم من صديق قد تنقذ نفساً من الهلاك.
وشددت على ضرورة
بناء منظومة متكاملة من الحصانة النفسية والإيمانية، وتعزيز شبكات الدعم الاجتماعي
لضمان عدم شعور الأفراد بالعزلة أو التهميش.
كما حذرت الوزارة من صنفين يخطئون في حق الله وحق المنتحر: صنف يشيد
بفعله ويخلع عليه ألقاب البطولة، وصنف آخر يقطع بدخوله النار ويحكم بكفره، مؤكدة
أن المنهج الصحيح هو التحذير من الفعل مع الترحم على الفاعل وسؤال الله له التجاوز.
